ابن قيم الجوزية
446
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الذي يكرهه ربه بالقدر الذي يحبه ويرضاه . فينازع قدر اللّه بقدر اللّه باللّه للّه ، كما يستعيذ برضاه من سخطه ، وبمعافاته من عقوبته ، ويستعيذ به منه . فأما « كونه يختار لنفسه خلاف ما يختاره الرب » فهذا موضع تفصيل . لا يسحب عليه ذيل النفي والإثبات . فاختيار الرب تعالى لعبده نوعان : أحدهما : اختيار ديني شرعي . فالواجب على العبد أن لا يختار في هذا النوع غير ما اختاره له سيده . قال تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [ الأحزاب : 36 ] فاختيار العبد خلاف ذلك مناف لإيمانه وتسليمه ، ورضاه باللّه ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا . النوع الثاني : اختيار كونيّ قدري . لا يسخطه الرب ، كالمصائب التي يبتلي اللّه بها عبده . فهذا لا يضره فراره منها إلى القدر الذي يرفعها عنه ، ويدفعها ويكشفها . وليس في ذلك منازعة للربوبية . وإن كان فيه منازعة للقدر بالقدر . فهذا يكون تارة واجبا ، وتارة يكون مستحبا ، وتارة يكون مباحا مستوي الطرفين ، وتارة يكون مكروها ، وتارة يكون حراما . وأما القدر الذي لا يحبه ولا يرضاه - مثل قدر المعائب والذنوب - فالعبد مأمور بسخطها . ومنهي عن الرضى بها . وهذا هو التفصيل الواجب في الرضى بالقضاء . وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابا عظيما . ونجا منه أصحاب الفرق والتفصيل . فإن لفظ « الرضى بالقضاء » لفظ محمود مأمور به . وهو من مقامات الصديقين . فصارت له حرمة أوجبت لطائفة قبوله من غير تفصيل . وظنوا أن كل ما كان مخلوقا للرب تعالى فهو مقضي مرضي له . ينبغي له الرضى به . ثم انقسموا على فرقتين : فقالت فرقة : إذا كان القضاء والرضى متلازمين . فمعلوم أنّا مأمورون ببغض المعاصي ، والكفر والظلم . فلا تكون مقضية مقدرة . وفرقة قالت : قد دل العقل والشرع على أنها واقعة بقضاء اللّه وقدره . فنحن نرضى بها . والطائفتان منحرفتان ، جائرتان عن قصد السبيل . فأولئك أخرجوها عن قضاء الرب وقدره . وهؤلاء رضوا بها ولم يسخطوها . هؤلاء خالفوا الرب تعالى في رضاه وسخطه . وخرجوا عن شرعه ودينه . وأولئك أنكروا تعلق قضائه وقدره بها . واختلفت طرق أهل الإثبات للقدر والشرع في جواب الطائفتين . فقالت طائفة : لم يقم دليل من الكتاب ولا السنة ولا الإجماع على جواز الرضى بكل قضاء ، فضلا عن وجوبه واستحبابه . فأين أمر اللّه عباده أو رسوله : أن يرضوا بكل ما قضاه اللّه وقدره ؟ وهذه طريقة كثير من أصحابنا وغيرهم . وبه أجاب القاضي أبو يعلى وابن الباقلاني . قال : فإن قيل : أفترضون بقضاء اللّه وقدره ؟ قيل له : نرضى بقضاء اللّه الذي هو خلقه ، الذي أمرنا أن نرضى به . ولا نرضى من ذلك ما